ملا محمد مهدي النراقي
189
جامع السعادات
" أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " ( 15 ) . ويقال له : يا خائن ! أتطالب خلقي بما خنت به نفسك وأرخيت عنه عنانك ! " . وكذا حمل عليه قول الصادق عليه السلام ( 16 ) : " صاحب الأمر بالمعروف يحتاج إلى أن يكون عالما بالحلال والحرام ، فارغا من خاصة نفسه مما يأمرهم به وينهاهم عنه ، ناصحا للخلق ، رحيما لهم ، رفيقا بهم داعيا لهم باللطف وحسن البيان ، عارفا بتفاوت أخلاقهم ، لينزل كلا منزلته بصيرا بمكر النفس ومكائد الشيطان ، صابرا على يلحقه ، لا يكافيهم بها ولا يشكو منهم ولا يستعمل الحمية ولا يغتلظ لنفسه ، مجردا نيته لله ، مستعينا به ومبتغيا لوجهه ، فإن خالفوه وجفوه صبر ، وإن وافقوه وقبلوا منه شكر ، مفوضا أمره إلى الله ، ناظرا إلى عيبه " . ( تنبيه ) إعلم أن المحتسب عليه - أعني من يؤمر به أو ينهى عنه - وإن اشترط كونه عاقلا بالغا ، إلا أن هذا الشرط إنما هو في غالب الأوامر والنواهي ، وبعضها لا يشترط فيه ذلك . إذ من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر ، وجب عليه أن يمنعه ويريق خمره . وكذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة ، فعليه أن يمنعه منه ، ولا يلزم منه أن يكون منع بهيمة عن إفساد زرع إنسان حسبة ونهيا عن منكر ، إذ لا يصدق اسم المحتسب عليه والمنهي إلا على من كان الفعل الممنوع عنه في حقه منكر ، وهو لا يكون إلا الإنسان دون سائر الحيوانات . وصل مراتب الأمر بالمعروف إعلم أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب : الأولى - الإنكار بالقلب : بأن يبغضه على ارتكاب المعصية . وهذا مشروط بعلم الناهي وإصرار المنهي ، ولا يشترط بالشرطين الأخيرين . الثانية - التعريف : بأن يعرف المرتكب للمنكر بأنه معصية ، فإن بعض الناس قد يرتكب بعض المعاصي لجهلهم بأنه معصية ، ولو عرف كونه معصية تركه .
--> ( 15 ) البقرة ، الآية : 44 ( 16 ) ( مصباح الشريعة ) : الباب المتقدم .